الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
318
شرح ديوان ابن الفارض
لا يطمئن لهذه الدنيا إلا مجنون ولا يميل إليها سوى من هو بداء الغرور مفتون . قال أحمد بن الحسين المتنبي : تصفو الحياة لجاهل أو غافل * عمّا مضى منها وما يتوقع ولمن يغالط في الحقائق نفسه * ويسومها طلب المحال فتطمع ( ن ) : الرجا مقصور لضرورة الوزن . وقوله منه ، أي من عبد رق تقدم ذكره . والكاف في أدناك راجع للمحبوب الحقيقي . والحجى بالكسر العقل وبالفتح الحجاب والستر كذا في المصباح . والمعنى : خاف من أن عقله يصوّرك أو يكيّفك وأنت لا تقبل التصوير والتكييف ، أو أنه خاف من حصول الحجاب والستر لعين بصره أو بصيرته فأبعدك عنه ونزّهك وقدّسك . فبإقدام رغبة حين يغشا ك بإحجام رهبة يخشاكا [ المعنى ] نصف البيت آخره ألف يغشاك والكاف أول المصراع الثاني . وهذا البيت كالمقرر المفسّر لما قبله لأنه على نمطه وأسلوبه . فقوله بإقدام رغبة متعلق بيغشاك ، أي حين يغشاك بإقدام رغبة يخشاك بإحجام رهبة ، فإقدام الرغبة التي توجب الغشيان ، أي الزيادة على وزان أمن الرجاء المدني من الحبيب ، وإحجام الرهبة التي توجب الخشية على وزان خوف الحجى المبعد عن الحبيب القريب . وقوله « بإحجام رهبة » : متعلق بيخشاك . وفي البيت المقابلة بين الإقدام والإحجام ، وبين الرغبة والرهبة ، وبين يغشاك ويخشاك ، باعتبار معنى التزامي لأنه يلزم من زيارة الرجل لك اختبارا منه أن يكون آمنا منك غير خائف كما يلزم من خوفه منك أن لا يزورك بل يبعد عنك ، فالطّباق حينئذ حاصل بين التلازم في المعنى ، ومع ذلك ففي البيت الترصيع في إقدام وإحجام ، ورغبة ورهبة ، ويخشاك ويغشاك ، مع التجانس المضارعي بين يغشاك ويخشاك لوجود قرب المخرج بين الغين والخاء ، وفيه أيضا المساواة في عدد حروف الكلمات المتقابلة وحاصل الأمر أنه بيت معمور بالمحاسن مغمور جمع بين صحة المعنى ولطف الألفاظ ، وذلك مما ينوّر البصائر ويكحل الأبصار . ( ن ) : يعني يقسم عليك عبد رقّ تقدم ذكره بحقّ إقدامه عليك رغبة منه فيك محبة لك حين يأتيك للزيارة بمفارقة نفسه وفنائها في وجودك الحق ، ويقسم عليك أيضا بامتناعه عن شهودك خوفا منك واحتراما لجنابك وتنزيها لك عن قيود المظاهر وحدود المجالي ، وجواب القسم يأتي في البيت الذي بعده . اه .